02/05/2026
محمد هرشو / Mohammad Harsho
الرأي العام
هناك شيء خطير يتشكل في سوريا اليوم، ولا يمكن التخفيف من حدّته أو تغليفه بلغة ناعمة. موجة تحريض واسعة تجتاح وسائل التواصل، لم تعد تكتفي بإدانة الجرائم، بل ذهبت أبعد: تحويل الجريمة إلى هوية، والقاتل إلى طائفة، والعدالة إلى مشهد إذلال جماعي.
فجأة، صار المطلوب أن تقف جماعة كاملة في قفص الاتهام، وأن تُقدَّم ككتلة ذنب جاهزة، وأن تُدفع إلى “اعتذار” جماعي لطرف آخر. وكأن خراب سوريا كله يمكن اختصاره في لقطة مسرحية: طائفة تعتذر، طائفة تمنح الغفران، ثم نعلن نهاية المأساة.
هذه ليست عدالة.. هذا عبث.
الأخطر أن هذا الخطاب لا يأتي من فراغ، بل يجد مساحة يتوسع فيها، وسط صمت رسمي مريب. لا موقف واضح، لا ردع، لا حتى إشارة إلى أن تحميل جماعات كاملة مسؤولية الجرائم خط أحمر. هذا الصمت، في بلد خرج لتوه من حرب أهلية طويلة، لا يمكن قراءته كحياد. بل يبدو، في أفضل الأحوال، كعجز. وفي أسوأها، كـتواطؤ غير معلن مع خطاب الكراهية.
الازدواجية في هذا الخطاب فاقعة. نفس الأصوات التي تكرر أن “الأكثرية ليست طائفة” عندما تريد تثبيت موقعها كمرجعية عامة، تعود لتعاملها كطائفة حين يحين وقت توزيع الاتهامات. فجأة، يصبح الآخر “طائفة يجب أن تعتذر”، بينما يبقى الطرف الأقوى خارج أي مساءلة جماعية.
بهذا المنطق، لا تُلغى الطائفية، بل يُعاد إنتاجها بشكل أكثر وقاحة.
نعم، هناك جرائم هائلة ارتُكبت في سوريا. لا أحد يستطيع إنكار السجون، والمقابر، والبيوت المهدمة، والضحايا الذين ما زالوا بلا أسماء. لكن السؤال البسيط الذي يتجاهله هذا الخطاب هو: من ارتكب الجريمة؟
الجواب ليس طائفة.
الجواب: أشخاص، أجهزة، قادة، منفذون، مبررون.